الشيخ محمد رشيد رضا

92

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

البلاغة العليا . والحسنة المنفعة سواء كانت حسية أو معنوية وأعظمها انتشار الاسلام ودخول الناس فيه وانتصار المسلمين على المعتدين عليهم المقاومين لدعوتهم . قال قتادة في بيان ذلك كما رواه عنه ابن جرير « فإذا رأوا من أهل الاسلام ألفة وحماية وظهورا على عدوهم غاظهم ذلك وساءهم ، وإذا رأوا من أهل الاسلام فرقة واختلافا أو أصيب طرف من أطراف المسلمين سرهم ذلك وأعجبوا به وابتهجوا به ، فهم كلما خرج منهم قرن أكذب اللّه أحدوثته وأوطأ محلته ، وأبطل حجته وأظهر عورته ، فذلك قضاء اللّه فيمن مضى منهم وفيمن بقي إلى يوم القيامة » ثم أرشد اللّه المسلمين إلى ما إن تمسكوا به سلموا من كيدهم الذي يدفعهم أليه الحسد والبغضاء فقال : وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ذهب بعضهم إلى أن المراد وإن تصبروا على عداوتهم وتتقوا اتخاذهم بطانة وموالاتهم من دون المؤمنين لا يضركم كيدهم لكم وهم بمعزل عنكم . وذهب آخرون إلى أن المراد وان تصبروا على مشاق التكاليف وامتثال الأوامر عامة وتتقوا ما نهيتم عنه وحظر عليكم - ومنه اتخاذ البطانة منهم - لا يضركم كيدهم . و « يضركم » بتشديد الراء من الضرر ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب « يضركم » بكسر الضاد وسكون الراء المخففة من ضاره يضيره والضير بمعنى المضرة . وقال الأستاذ الامام : ان الصبر يذكر في القرآن في مقام ما يشق على النفس ، وحبس الانسان سره عن وديده وعشيره ومعامله وقريبه مما يشق عليه فان من لذات النفوس ان تفضى بما في الضمير إلى من تسكن إليه وتأنس به ، فلما نهوا عن اتخاذ بطانة ممن دونهم من خلطائهم وعشرائهم وحلفائهم وعلل بما علل به من بيان بغضائهم وكيدهم حسن ان يذكروا بالصبر على هذا التكليف الشاق عليهم وباتقاء ما يجب اتقاؤه لأجل السلامة من عاقبة كيدهم . ويصح ان يراد بالتقوى الأخذ بوصاياه وامتثال أمره تعالى في البطانة وغيرها . أقول : ومن الاعتبار في الآية انه تعالى أمر المؤمنين بالصبر على عداوة أولئك المبغضين الكائدين وباتقاء شرهم ولم يأمرهم بمقابلة كيدهم وشرهم بمثله وهكذا